بجزعٍ حوّمت حول الفقد، وبلا شجاعة استسلمت إلى الإضراب عنه، متفاديًا كلّ ما قد يعود بي إليه. انهزمتُ لأطارد خيطًا انسلّ عرضًا مما كنتُ أودّ غزله. وبكلّ ما في حفظ السّقط وتضييع المتاع من سَفَه، أقرّ أن الأمر أثقل، وأنّني أعجز، وأنّ الهوّة لا تزال أشدّ استعصاء على كلّ محاولات الوصل. وهذا الذي جعلني أذهب -مستفتحًا بهذا الدّوران المُلغِز- وراء تأمّل بارد في فكرة مجرّدة كانت مستبطنة في الحديث الذي كان ولم يكن، أي بيني وبيني ولم أجسر على إذاعته.
لذا، فأنا الآن أتتبع هذه الفكرة الُمنسلّة: أنّ الجزء الأكبر من الرغبة في الكتابة الذاتيّة يكمن في هاجس محدد هو اعتقاد التفرّد. وراء هذه الهاجس يكمن وَهم يحفزه إلى أن يخرج مستعلنًا كاشفًا عن نفسه. يشترك في هذا الوهم العبقري النابه والغبي الخامل، كلهم يطيف به وهم يصوّر له أنّ العالم يراك كما ترى نفسك، وأن غيرك يستطيع أن يفهم ذلك فيراك من الداخل، لا كما ترى أنت الناس من الخارج في ملامح الوجه وهيأة الجسد، وتحاول -في لعبة يوميّة- أن تفسّر مراميهم وتأوّل مقاصدهم جامعًا النّبرة إلى اللمحة، واضعًا العبارة حذو الإشارة والصوت بإزاء الإيماء، مستعينًا بما تعرفه، أو تظن أنك تعرفه، عن هذا الإنسان، من تاريخك وإيّاه وألفتك به، ممّا جمعكما أو فرّقكما من نوازع النّفس ومشابه النّشأة. طيف واسع تنتقي منه متخيّرًا، وإن ضمن حدود تشعر بها وبما تفرضه عليك، لكن الأكيد أنه السّبيل الأوحد إلى إدراك ما في أذهان الآخرين.
أتذكّر صديقًا في الحارة، كنت أفهمه على نحو لا يشبه الطريقة التي أفهم بها من سواه، لأن والده يعمل في القطاع نفسه الذي يعمل فيه والدي. تفاصيل صغيرة في مجرى الحياة اليومية وطبيعة العلاقات وإيقاع الزّمن يوحّد بين شريطي حياتنا، كنا الوحيدين الذين نحمل شعورًا مشتركًا بالوجود المؤقت في هذه المدينة التي نعيش فيها، كلانا يسافر مع عائلته في الإجازات والأعياد. هو يرتحل إلى الجنوب البعيد وأنا إلى الغرب الأبعد. لا أذكر أن هذا كان حوارًا صريحًا جرى بيننا قط، ولكننا نشترك في نوع من الجهل بما كان يحدث في الحارة في العيد. بدا لي غريبًا أن هذه المدينة يكون فيها عيد، أعني أن يقضي فيها الإنسان هذا الوقت المنفصل عن جريان الزمن العادي. لم أتخيلها إلا روتينًا من المدرسة والتحفيظ، والكورة طبعًا. أما العيد؟ مستحيل. هذا الشعور نفسه بدا لي أنه يشاركني إياه ضمنًا.
كنت أحب الشارع في زمن يبدو لي الآن بعيدًا كأنه حلم. حين أفكر في حياتي أجدها مثل سلسلة من الأحلام المنفصلة بلا رابط بينها. ربما هذه هي طبيعة الحلم نفسه. تختلف الشخصيات والسياقات والأماكن، يظل لديك أنت -صاحب الحلم- إحساس مبهم بنفسك واستمرار هويّتك، ولكن كل ما عدا ذلك يختلف، حتى ميولك ونوازعك والأشياء التي تحبها.
ثم انقضت تلك السّنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلامُ
هذه حياتي فيما أظن.
لكل شخص عالمه الداخلي، يشبهونك في ذلك، هذه حقيقة لا شك فيها ولكنها ليست بديهية. تتعلّمها في الأغلب إثر تجربة تمرّ بها طفلًا: أن يبدو لك كل ما عداك أشبه بأجساد دون وعي، تتصرّف كما لو كانت واعية لكنك لا تستطيع أن تكون على يقين من ذلك، وفي هذا الشك ما يكفي لكي تنفي عنهم أي حياة داخلية.
انتبهت إلى ذلك بطريق عكسية، لمّا ذهلت وأنا طفل بمرأى السيّارات المتكدّسة على طريق الملك بجدّة. كنت أحب ملاحظة حركة الإطارات، معالمها التي تتضح بالحركة البطيئة التي يفرضها الزحام. لم أعتقد بالداخل وقتها فلم أشغل بالي به.
فجأة بدا لي أنّ الطريق نفسه، الطريق كفكرة، لا معنى له سوى الانتقال بين مكانين. وأن أكون هنا بالذات يعني أن لي قصدًا، نيّة محددة للذهاب إلى مكان بعينه. إرهاق الرحلة والنعاس جعلا هذه الفكرة تحكم قبضتها علي. تسرّبت في جسدي وغمرته. وفور أن وقعت عيني على وجه السّائق في السيارة المجاورة، ورأيته يلتفت إلى معاونه، محركا شفتيه ثم ضاحكًا بكل ما في وجهه من ملامح، حتى استوعبت أن لهذا الرجل أيضًا قصد ونيّة ومكان يذهب إليه. أهل وأصحاب، حوارات وأحاديث، أفكار ومشاعر. مثلي وأهلي في السيّارة تمامًا. ذهلت من اتّساع الحياة التي لا يمكنني التغلغل فيها وإدركها كلها، وأحبطت لأنني لم أكن وحيدًا فيما ظننتي وحيد به، أعني لم أكن بطلًا، شخصية رئيسية، وأن كل ما يلم بي يمكن أن يلم بغيري، وعلى نحو أحدّ ربما وأصدق.
كلّما شاهدت مقاطع الفيديو التي تصور إنسانًا ثم تذهب بعيدًا إلى أعلى، متّسعة بالإطار مكبرّة المقياس من سطح الأرض إلى الغلاف الجوي، ثم الفضاء، فالمجموعة الشمسية فالمجرة فالكون، تذكرت ذلك الشعور باتساع العالم الذي انتابني. لم أكن فريدًا في وجودي إذن. كل هؤلاء الناس لديهم ما لديّ من أفكار ومشاعر.
تغيّر الإدراك لكن الشعور لم يتغيّر. فعلى أنني عرفتُ يقينًا أن للناس سواي ما لي من وعي سواء بسواء، إلا أن ما يمرّون به ممّا يدخل في نواحي الشعور، الإحساس الجسدي والألم واللذة، لا يمكن أن أشعر به بالطبع، ومن ثم فلا قدرة لي على القبض عليه تمامًا. العكس أيضًا صحيح، ما أشعر به أنا لا يمكن إيصاله إلى أحد.
أتخيّل الذّروة القصوى للشّعور، أنّ إنسانًا بعينه جرّب آخره وبلغ فيه أبعد مدى، لمس ما لا يُقال، انتفض جسده عصبًا عصبًا بلذَع حارِق، ألمًا أو لذّة لا فرق، سواء كان خارجيًا من عصور ماضية وضعته الحكومة على خازوق يتجنّب -بمهارة وحشيّة- أعضائه الحيويّة فتُرك ليموت ألف مرّة قبل أن يفنى، أو متصوّفًا إباحيًا سَكِر بالخمرتين، وعاش الوَجدين، حِسًا وخيالًا. لا شك ثمة إنسان قد وصل إلى ما لم يصله أحد، لكن لم يعرف سواه ما بلغه.
حاول منظّرو الجماليّات منذ وقت بعيد تأسيس فكرة التّشاعر. سال مداد كثير في التنظير لما أسموه التقمّص، أن يجعل الفرد نفسه في موضع الآخر، أن يكون في موقفه الشعوري بالتّحديد. لم يقف الأمر على تجربة باطنية طريفة وحسب، إذ إنّ كثيرًا ممن يدافع عن الفن من منظور أخلاقي يتدرّع بهذه الحجة، فتستوي عنده قراءة التاريخ -لا تنس أن بعضهم رأى في التأريخ فنًا- وقراءة الرواية، الاستمتاع بلوحة والطرب لقصيدة وتملّي تمثال، كلها تسهم على نحو غامض في نمو الفرد من حيث هو إنسان، ومن هنا الدفاع الليبرالي -الفردي بالطبع- عن الإنسانيات في وجه السّوق، ومن لم يسلّم بذلك فهو في القليل كثيف الذهن بليد الإحساس، إن لم يتهم في إنسانيته نفسها. لا عجب إذن أن تجد من يدرس دور الفنون في نمو وعي أخلاقي من نوع محدد. ثمة من كتب عن علاقة فن الرواية بنشأة حقوق الإنسان مثلًا. لكن لا أحد على الإطلاق يزعم أن في إمكانك الشعور تمامًا بما يشعر به الآخر. يمكنك فهمه، لكن يستحيل جسديًا أن تشعر به. من يشاك بشوكة وحده من يشعر بها على التحقيق. قد تبكي أمه، ربما بألم عاطفي أشد من ألم الشوكة، لكن هذا الألم نفسه، الألم المعيّن الفرد، لا يمكن أن يشعر به إلا الشخص نفسه. ليس الشعور مثل الوعي. كلاهما أمر داخلي. لكن أحدهما ينتقل باللغة، بالرغبة في الفهم، بالنية الطيّبة الحريصة على التواصل. أما الألم فهو فردي لا يمكن نقله ولا معادل له مثل اللغة التي تنقل الأفكار بالتّمام. هذه مأساة في صميم تجبرتنا للحياة، لذا فالوهم الذي يجعلك تظن أن العالم يراك كما ترى نفسك باطل، وباطل أيضًا أن في مقدورك أن ترى أحدًا كما يرى نفسه. ولكنّه مثل الموت في كلام الحسن البصري: «ما رأيتُ يقينًا لا شكّ فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت». لولا هذا التردّد بين الشك واليقين لما عاش الواحد منّا، لأحجم عن كل سعي وانزوى في نفسه.
لمّا كان صفيي من النّاس يألم، كنت أشدّ ما أكون سخطًا على هذا النّقص في عمل الحياة وطبيعة الأشياء. سخطت على أننا اثنان، وأنا الذي كنت أود أن أرى العالم من وراء الألم مثله، أي أن أكونه في ذلك الوقت. وحين غاب -لا أدرك بعدُ معنى هذا تمامًا- أقسم بكل يمين محرجة لقد لذّ لي أن أغيب معه، أن أفنى فيه وأتحد به، لأرى ما يراه في غيابه. ولكن هذا غير ممكن. ولذا حوّمت ولم أقع.








