• بجزعٍ حوّمت حول الفقد، وبلا شجاعة استسلمت إلى الإضراب عنه، متفاديًا كلّ ما قد يعود بي إليه. انهزمتُ لأطارد خيطًا انسلّ عرضًا مما كنتُ أودّ غزله. وبكلّ ما في حفظ السّقط وتضييع المتاع من سَفَه، أقرّ أن الأمر أثقل، وأنّني أعجز، وأنّ الهوّة لا تزال أشدّ استعصاء على كلّ محاولات الوصل. وهذا الذي جعلني أذهب -مستفتحًا بهذا الدّوران المُلغِز- وراء تأمّل بارد في فكرة مجرّدة كانت مستبطنة في الحديث الذي كان ولم يكن، أي بيني وبيني ولم أجسر على إذاعته.

    لذا، فأنا الآن أتتبع هذه الفكرة الُمنسلّة: أنّ الجزء الأكبر من الرغبة في الكتابة الذاتيّة يكمن في هاجس محدد هو اعتقاد التفرّد. وراء هذه الهاجس يكمن وَهم يحفزه إلى أن يخرج مستعلنًا كاشفًا عن نفسه. يشترك في هذا الوهم العبقري النابه والغبي الخامل، كلهم يطيف به وهم يصوّر له أنّ العالم يراك كما ترى نفسك، وأن غيرك يستطيع أن يفهم ذلك فيراك من الداخل، لا كما ترى أنت الناس من الخارج في ملامح الوجه وهيأة الجسد، وتحاول -في لعبة يوميّة- أن تفسّر مراميهم وتأوّل مقاصدهم جامعًا النّبرة إلى اللمحة، واضعًا العبارة حذو الإشارة والصوت بإزاء الإيماء، مستعينًا بما تعرفه، أو تظن أنك تعرفه، عن هذا الإنسان، من تاريخك وإيّاه وألفتك به، ممّا جمعكما أو فرّقكما من نوازع النّفس ومشابه النّشأة. طيف واسع تنتقي منه متخيّرًا، وإن ضمن حدود تشعر بها وبما تفرضه عليك، لكن الأكيد أنه السّبيل الأوحد إلى إدراك ما في أذهان الآخرين.

    أتذكّر صديقًا في الحارة، كنت أفهمه على نحو لا يشبه الطريقة التي أفهم بها من سواه، لأن والده يعمل في القطاع نفسه الذي يعمل فيه والدي. تفاصيل صغيرة في مجرى الحياة اليومية وطبيعة العلاقات وإيقاع الزّمن يوحّد بين شريطي حياتنا، كنا الوحيدين الذين نحمل شعورًا مشتركًا بالوجود المؤقت في هذه المدينة التي نعيش فيها، كلانا يسافر مع عائلته في الإجازات والأعياد. هو يرتحل إلى الجنوب البعيد وأنا إلى الغرب الأبعد. لا أذكر أن هذا كان حوارًا صريحًا جرى بيننا قط، ولكننا نشترك في نوع من الجهل بما كان يحدث في الحارة في العيد. بدا لي غريبًا أن هذه المدينة يكون فيها عيد، أعني أن يقضي فيها الإنسان هذا الوقت المنفصل عن جريان الزمن العادي. لم أتخيلها إلا روتينًا من المدرسة والتحفيظ، والكورة طبعًا. أما العيد؟ مستحيل. هذا الشعور نفسه بدا لي أنه يشاركني إياه ضمنًا.

    كنت أحب الشارع في زمن يبدو لي الآن بعيدًا كأنه حلم. حين أفكر في حياتي أجدها مثل سلسلة من الأحلام المنفصلة بلا رابط بينها. ربما هذه هي طبيعة الحلم نفسه. تختلف الشخصيات والسياقات والأماكن، يظل لديك أنت -صاحب الحلم- إحساس مبهم بنفسك واستمرار هويّتك، ولكن كل ما عدا ذلك يختلف، حتى ميولك ونوازعك والأشياء التي تحبها.

    ثم انقضت تلك السّنون وأهلها

    فكأنها وكأنهم أحلامُ

    هذه حياتي فيما أظن.

    لكل شخص عالمه الداخلي، يشبهونك في ذلك، هذه حقيقة لا شك فيها ولكنها ليست بديهية. تتعلّمها في الأغلب إثر تجربة تمرّ بها طفلًا: أن يبدو لك كل ما عداك أشبه بأجساد دون وعي، تتصرّف كما لو كانت واعية لكنك لا تستطيع أن تكون على يقين من ذلك، وفي هذا الشك ما يكفي لكي تنفي عنهم أي حياة داخلية.

    انتبهت إلى ذلك بطريق عكسية، لمّا ذهلت وأنا طفل  بمرأى السيّارات المتكدّسة على طريق الملك بجدّة. كنت أحب ملاحظة حركة الإطارات، معالمها التي تتضح بالحركة البطيئة التي يفرضها الزحام. لم أعتقد بالداخل وقتها فلم أشغل بالي به.

    فجأة بدا لي أنّ الطريق نفسه، الطريق كفكرة، لا معنى له سوى الانتقال بين مكانين. وأن أكون هنا بالذات يعني أن لي قصدًا، نيّة محددة للذهاب إلى مكان بعينه. إرهاق الرحلة  والنعاس جعلا هذه الفكرة تحكم قبضتها علي. تسرّبت في جسدي وغمرته. وفور أن وقعت عيني على وجه السّائق في السيارة المجاورة، ورأيته يلتفت إلى معاونه، محركا شفتيه ثم ضاحكًا بكل ما في وجهه من ملامح، حتى استوعبت أن لهذا الرجل أيضًا قصد ونيّة ومكان يذهب إليه. أهل وأصحاب، حوارات وأحاديث، أفكار ومشاعر. مثلي وأهلي في السيّارة تمامًا. ذهلت من اتّساع الحياة التي لا يمكنني التغلغل فيها وإدركها كلها، وأحبطت لأنني لم أكن وحيدًا فيما ظننتي وحيد به، أعني لم أكن بطلًا، شخصية رئيسية، وأن كل ما يلم بي يمكن أن يلم بغيري، وعلى نحو أحدّ ربما وأصدق.

    كلّما شاهدت مقاطع الفيديو التي تصور إنسانًا ثم تذهب بعيدًا إلى أعلى، متّسعة بالإطار مكبرّة المقياس من سطح الأرض إلى الغلاف الجوي، ثم الفضاء، فالمجموعة الشمسية فالمجرة فالكون، تذكرت ذلك الشعور باتساع العالم الذي انتابني. لم أكن فريدًا في وجودي إذن. كل هؤلاء الناس لديهم ما لديّ من أفكار ومشاعر.

    تغيّر الإدراك لكن الشعور لم يتغيّر. فعلى أنني عرفتُ يقينًا أن للناس سواي ما لي من وعي سواء بسواء، إلا أن ما يمرّون به ممّا يدخل في نواحي الشعور، الإحساس الجسدي والألم واللذة، لا يمكن أن أشعر به بالطبع، ومن ثم فلا قدرة لي على القبض عليه تمامًا. العكس أيضًا صحيح، ما أشعر به أنا لا يمكن إيصاله إلى أحد.

    أتخيّل الذّروة القصوى للشّعور، أنّ إنسانًا بعينه جرّب آخره وبلغ فيه أبعد مدى، لمس ما لا يُقال، انتفض جسده عصبًا عصبًا بلذَع حارِق، ألمًا أو لذّة لا فرق، سواء كان خارجيًا من عصور ماضية وضعته الحكومة على خازوق يتجنّب -بمهارة وحشيّة- أعضائه الحيويّة فتُرك ليموت ألف مرّة قبل أن يفنى، أو متصوّفًا إباحيًا سَكِر بالخمرتين، وعاش الوَجدين، حِسًا وخيالًا. لا شك ثمة إنسان قد وصل إلى ما لم يصله أحد، لكن لم يعرف سواه ما بلغه. 

    حاول منظّرو الجماليّات منذ وقت بعيد تأسيس فكرة التّشاعر. سال مداد كثير في التنظير لما أسموه التقمّص، أن يجعل الفرد نفسه في موضع الآخر، أن يكون في موقفه الشعوري بالتّحديد. لم يقف الأمر على تجربة باطنية طريفة وحسب، إذ إنّ كثيرًا ممن يدافع عن الفن من منظور أخلاقي يتدرّع بهذه الحجة، فتستوي عنده قراءة التاريخ -لا تنس أن بعضهم رأى في التأريخ فنًا- وقراءة الرواية، الاستمتاع بلوحة والطرب لقصيدة وتملّي تمثال، كلها تسهم على نحو غامض في نمو الفرد من حيث هو إنسان، ومن هنا الدفاع الليبرالي -الفردي بالطبع- عن الإنسانيات في وجه السّوق، ومن لم يسلّم بذلك فهو في القليل كثيف الذهن بليد الإحساس، إن لم يتهم في إنسانيته نفسها. لا عجب إذن أن تجد من يدرس دور الفنون في نمو وعي أخلاقي من نوع محدد. ثمة من كتب عن علاقة فن الرواية بنشأة حقوق الإنسان مثلًا. لكن لا أحد على الإطلاق يزعم أن في إمكانك الشعور تمامًا بما يشعر به الآخر.  يمكنك فهمه، لكن يستحيل جسديًا أن تشعر به. من يشاك بشوكة وحده من يشعر بها على التحقيق. قد تبكي أمه، ربما بألم عاطفي أشد من ألم الشوكة، لكن هذا الألم نفسه، الألم المعيّن الفرد، لا يمكن أن يشعر به إلا الشخص نفسه. ليس الشعور مثل الوعي. كلاهما أمر داخلي. لكن أحدهما ينتقل باللغة، بالرغبة في الفهم، بالنية الطيّبة الحريصة على التواصل. أما الألم فهو فردي لا يمكن نقله ولا معادل له مثل اللغة التي تنقل الأفكار بالتّمام. هذه مأساة في صميم تجبرتنا للحياة، لذا فالوهم الذي يجعلك تظن أن العالم يراك كما ترى نفسك باطل، وباطل أيضًا أن في مقدورك أن ترى أحدًا كما يرى نفسه. ولكنّه مثل الموت في كلام الحسن البصري: «ما رأيتُ يقينًا لا شكّ فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت». لولا هذا التردّد بين الشك واليقين لما عاش الواحد منّا، لأحجم عن كل سعي وانزوى في نفسه.

    لمّا كان صفيي من النّاس يألم، كنت أشدّ ما أكون سخطًا على هذا النّقص في عمل الحياة وطبيعة الأشياء. سخطت على أننا اثنان، وأنا الذي كنت أود أن أرى العالم من وراء الألم مثله، أي أن أكونه في ذلك الوقت. وحين غاب -لا أدرك بعدُ معنى هذا تمامًا-  أقسم بكل يمين محرجة لقد لذّ لي أن أغيب معه، أن أفنى فيه وأتحد به، لأرى ما يراه في غيابه. ولكن هذا غير ممكن. ولذا حوّمت ولم أقع.

  • ثُمَّ

    رَجَعَ

    بِنا

    القَولُ

    إلى

    الكَلَامِ

    الأوَّلِ

    فأقولُ وقد أدركني العبثُ من محاولةِ القبضِ على التّجربةِ بالكلمات:

    إنّه لن تفيَ اللغةُ بحملِ هذا الوجودِ كلّه، وهذا عجزُها أمام ثقلة التّجربة (والعجز انقطاعٌ يُعرَف بعد المحاولة) بل إبلاسُها (والإبلاس انقطاعٌ يُعرف قبل المحاولة) فاللغة، وهي الحادّة التّقاطيع صوتًا المحدودة التّقاسيم رسمًا، لن تحملِ بعضَ وجودِ التّجربةِ وهو المندفعُ في تيّارهِ بلا تقطيعٍ وترسيم، فلا مناصَ من أن يُسفحَ شيءٌ من هذا الوجودً مطلولًا على شِفارِ اللغةِ، أي هدرًا وضياعًا لا طالبَ لثأره، وقد ظلمَ مَن طلبَ ثأرَ الوجودِ منها، إذ ليسَ في طبعها إلّا أن تنزِعَ إلى عِرقها الأقدم، فترجعَ إلى قبلِ أن يكون ثمّة قبل، حيثُ الكلمةُ والكَلْمُ -أي الجرح- شقيقانِ لم يُشتّقَّا بعد.

    وعلى هذا فلا تكونُ التّجربةُ داخل الّلغةِ إلّا مُحتضرة، ولا تصلُ إن وصلتْ إلّا  وهي في لحظاتِ النَّزْعِ، فكلُّ خطابٍ وإن احتملَ المعنى وضدَّهُ فهو من هذا الوجهِ عِبارةٌ لا تحتملُ التّأويلَ عن الموت، وهذه هيأةُ الذَّاتِ المتكلِّمةِ أبدًا بإزاءِ الآخَرِ، لا حيلةَ لها سوى إعلانِ موتها شرطًا لسائرِ الكلام.

     ثم إنَّ الكلمة، وإن لم تكن جرحًا أو سببًا في جرحٍ على الحقيقة،  ليست إلّا رمزًا مكتوبًا إلى الَّلفظِة المنطوقة، وفي ترامي أطرافَ المسافةِ بين الصَّوتِ ورسم الصَّوتِ جرحٌ مجازيٌّ مديد يصدعُ أفقَ العالَم، فهذا أوَّلُ انشعابِ الذَّاتِ عن الآخَرِ قبل اختلاف الزَّمانِ والمكان، فالكلام، من حيثُ رأيتَه، ندوٌب لا بُرءَ منها على وجه التَّجربة.

    فكيفَ -بعد هذا- يؤولُ الخَطُّ، ولا حَنينَ فيهِ من طبيعةِ ما بهِ يكونُ رسمًا، إلى صوتٍ منطوقٍ كلُّهُ حنينٌ ونَبرٌ واشتياقٌ ونِزاع؟

    وإن آلَ وأُوِّل، فإنّ الَّلفظةَ نفسها، بحنينها ونبرها واشتياقها ونزاعها، لا تعدو أن تكونَ إشارةً منطوقةً إلى التَّجربة، فليسَ في وسعِ الَّلفظةِ سوى الطرقِ والقرعِ والتّصويتِ تذكيرًا بالتَّجربة لا ذكرها على وجهها، ذلك أنَّ الطَّرق، ولو أراد التَّذكير، ليس آخر جهدهِ إلّا أن يبلغَ درجةَ النَّداء، ومن شرطِ النِّداءِ أن يعيهِ المُنادَى، ومن حقيقةِ المُنادَى أن يعرفَ من نفسهِ أنَّه إنَّما إليهِ يتوجَّهُ النِّداء، فعرفانهُ نفسَهُ أمرٌ سابقٌ على وعيهِ وسماعه، فعادَ الطرق، كما كان الرَّسم، عبثًا.

    فكيف -بعد هذا- يؤول الصَّوتُ إلى احتواءِ التَّجربة، وليست غايةُ أملهِ إلَّا تذكيرِ الذَّاكرِ والغفلةِ عن الغافل؟

    وإن آلَ وأوِّل، فليسَ الشّأنُ شأنَ احتواءٍ كاملٍ وإلّا اعتيضَ عن الّلغةِ بالصّورة، بلّ لا بدَّ ممّا يُداخلُ هذا الاحتواءَ مُشيرًا إلى حضورِ الذّات، ولئن كانَ عجزُ الّلغةِ يظهرُ في ما يسّاقطُ منها منَ الواقع، فإنَّ عجزَ الصّورةِ يظهرُ في قبضها الكاملِ على الواقع، فهي تلتصقُ بِه حتّى تكونَ هيَ هو، فلا تصلحُ إلّا لعرضِ الشّيء في نفسِه، في أقصى ما يكون من وحدةٍ وانعزال، فكانَ الأمر في الصّورةِ على الضِّدِّ، إذ هي الغياب التّام للذّات لا ظهورها مجرَّحة.

  • صور الأرق العشر

    مثل حكاية النّمر القديمة، يتنسّم الأرق رائحة القلق.

    I

    وللأرقِ -لمّا كان حيوانًا وحشيًا- طريقة خبيثة في الفتك، يحتال على فريسته حتّى تستسلم بإرادة كاملة، فتكون في أوهن حالٍ مرخيةً من أعصابها متخفّفةً ممّا يُثقلها منتظرةً، تظنُّ، النومَ، وإذا كلّ ما ينتظرها أسودُ بلون الّليل وليس به، فليس لمن يأرق ليل، وإنّما هو الانتظار مجسّدًا في أبشع صورة: سواد سرمديّ لا تدرك الفريسة ماهيّته، يحيط بها من كلّ وجهٍ شَرَكًا مظلمًا هيّأته لنفسها بيديها لتعلق في عماءٍ لا تبصر فيه وبردٍ يخترق عظامها.

    II

    وللأرقِ -لمّا كان حالة وجوديّة عمياء وباردة- قدرة مخيفة على قلب الدّاخل والخارج والّلعب بنواميس الأشياء، فله من الجبروت ما يهدّ الوجود ويميد به، ليصنع من مِزَقه وشظاياه مرايا لا تعكس إلّا لون القلق وأفكاره، فكلّ شيء في العالم بعدُ مظهر لهذا الّلون.

    III

    وللأرق -لمّا كان معضلة خوف من انكشاف الأفكار- تردّدٌ بين الصّمت والكلام، ووقفةُ النّجوى الأخيرة قبل أن تصير محاورة، فلذلك كانَ لحظة المُكاتَبة الأولى وأصل ما في الّلغة من مجازٍ ورمزٍ وكناية، والإنسان الذي استهدف إلى حلّ هذه المعضلة أنشأ -دون أن يدري- أوّل قصيدة في التّاريخ، فالشّعر صدفة الأرق، كما قد يليق بأن يجيء في أسطورة منسيّة.

    IV

    وللأرق -لمّا كان مادّة شعريّة- تباشير المعنى الذي لم يشرق بعد، بلا يقين من تمام إشراقه، فقد يبدو منه شيء ثمّ لا يكون، وربّما طلع بعضه وقرّر بعضه ألّا يطلع، وله على ذلك عذوبة خمول يتمشّى في أطراف وحي لا يصحو إلا سَحَرًا ثم يغفو، وفتنة ما يتضوّأ على بديهة الوجد قبل أن تخمده رويّة التّزويق، واطمئنان كلمة آمنة في مخطوطة منسيّة سقطت سهوًا من فهرس، ولهفة سطر قُتِل منتظرًا هذه الكلمة بعينها ليكتمل.

    V

    وللأرق -لمّا كان بحثًا عن الاكتمال- خبطٌ أعشى لا يُدرِك ما ينقصه فلا يعرف بأيّ شيء يكتمل، فهو تيه ليليّ تُضِلُّ نجومهُ ولا تهدي، عملُها أن تغزلَ الطّرقات في دوائر لانهائيّة، تنكث النّهايات كلّها لترجعها إلى بداية فَرْدة وحيدة، فالمراحل انطلاقات أبديّة، ومواضع المسير جميعها غايات، والسُّرى عن الحمد مسافة طرف الدّائرة عن طرف الدّائرة.

    VI

    وللأرق -لمّا كان دورانًا في المكان- إدراك اليأس من عبث محاولة الحركة، وإغراء الانكفاء في سكون، ولهذا كان له أيضًا رِفدٌ من القلق لا ينقطع، ومَددُ سكونٍ متحرّك ما يزال يتعاظم سَكناتٍ سَكناتٍ لا يحويها مُنكفِئ ولا مُنكفَأ، فهو انهزام المكان أمام نفسه واستحالته إلى زمنٍ نازح.

    VII

    وللأرق -لمّا كان ورطةً بالزمن- هوايةُ النّظر إلى السّاعة في كلّ حين، وله من ذلك استطالة الوقت تِيهًا وعُجبًا إذ يلحظ النّظرة، واستطالته مُدّة وامتدادًا إذ يشعر بقلق النّظرة؛ فالنّظرة خَرطٌ للوقت والوقت انخراط للنظرة، وبينهما القلقُ شِقًّا ما يزال يتّسع بالآنِ زمنًا ويمتلئ به حميمًا فلا يُبترَد منه إلا بالانغماس في الذّكرى.

    VIII

    وللأرق -لمّا كان انغماسًا في الذّكرى- سطوع الذّكرى على قدر سطوع الخوف من انعدام أصلها، فهي مقابلة الموجودِ وهمًا بالمعدوم حقيقةً ثمّ الحيرة في تعيين أيّهما أحقّ بنعت الوجود، وله من جرّاء ذلك تربية الخيالِ على حسن معاشرة الماضي، وهدهدةُ الأمل في سرير متوارث لكيلا ينسى أصله إذا كبر.

    IX

    وللأرق -لمّا كان ملعبًا للأمل- نَفَسٌ من الطّفولة، وما تحثّل في كأس الخبرة من أوقات البراءة، وفي ذلك ما يجعله آخر أوتاد الذّات وما يُبقيها على نفسها، فهو يشكم من جماح الأملِ أن ينفرط عاتيًا مدمّرًا ينسى أن ينظر خلفه، وهو قبلُ، كما «نوّار» في نشيد الأطفال القديم، يحفظ طِيب الذّكريات.

    X

    وللأرق -لمّا كان توتّرًا بين البدايات والنهايات- صلات قرابة بالمتناقضات، وطَيفٌ من تداعيات الغروبُ والشُّروق جميعًا، وما يُحضِره كلٌ من هواجس، وإنكارٌ على ظاهرِ الّلون بباطنه، فهو ما يفتأ يصدح «الهجر ليلٌ والوصال صباحُ» أو ما أشبههما في التّضادّ، فأيّما نقيضٍ كان أشدّ فالأرق له أقرب قرابةً وعليه أشدّ تهالكًا، بلا اعتبار لموقع الشّمس والقمر والمسافة من الليل  والنّهار.

  • ترَنسُربَنس

    تمرينات حضريّة في المشي والرّؤية

    -١-

    «يقوم تأويل المدينة المعاصِرة بعين المتجوِّل على الرّحلات الحضريّة (transurbances) التي شرعت بها جماعة ستوكر (Stalker) الإيطاليّة منذ منتصف التسعينيات في مدن أوروبية شتّى.

    ولمّا كانت هذه الجماعة تضلّ طريقها -قصدًا- وتجول بلا غاية في تلافيف المنسيّ من عمران المدينة، فقد لاقت في جَوَلانها الفضاءات التي وسمها الدادائيون مرّة بالابتذال، والتي رأى فيها السرياليون ما أسموه لاوعي المدينة، حيث يتخلّق من مزيج الذاكرة المقموعـة، والرفض، وانعدام السيطرة، نظامٌ بعينه من الفضاءات، أرخبيلات من جزر متناثر، يُساق فيه المتجوّل لينجرف معه، كما لو كان يتيه في أقسام من مشروع «بابل الجديدة» الذي صمّمه الفنّان الهولندي كُنستنت (Constant): إنّه فضاء مترحّل ذو شعب ومسارب أشبه بشبكة من المسارات الخفيّة التي خدّدتها أقدام القطيع الحضريّ، آخذةً  خِطّتها من آثار تداعي المدينة على نفسها، كأنّما هي مُستقبَل منسيّ من تلك «المستقبلات المنسيّة» التي تحدّث عنها الفنّان الأمريكي رُبرت سِمثسُن.

    نمت هذه الفضاءات العابرة من تجاعيد المدينة، أراضٍ في تبدّل دائم يدور مع دوران الزمن، حيث يمكن للمرء أن يتجاوز القسمة الضاربة بجذورها في القدم بين فضاء البداوة وفضاء الاستقرار. فالأصل أنّ البداوة ما فارقت الاستقرار قط، بل تآلفت معه في جدلٍ مستمر، وها هي المدينة المعاصرة تحتضن فضاءات بدوية (فراغات) وأخرى مستقرّة (كتل)، متجاورة في توازن هشّ من الأخذ والرد.

    واليوم تسكن المدينة البدوية في أحشاء المدينة المستقرّة، تقتات من بقاياها لتستحيلَ حضورًا جديدًا، طبيعةً أخرى لا تُدرك إلا إذا سُكنت. فالترحال الحضري (transurbance) إذن مثله مثل الرحلة الشاردة، هو ضرب ممّا قبل-العمارة في المشهد المعاصر»

    Walkscapes: Walking as an Aesthetic Practice
    By Francesco Careri

    -٢-

    تمرينٌ شِعريّ على المشي الرّؤية

    «إن البحر [المدينة] خلقٌ عظيم يركبه خلقٌ ضعيف، دودٌ على عود، بين غَرَقٍ وبَرَق.

    البَرَقُ: بالتّحريك الحَيرة والدَّهَش»

    – لسان العرب

    بَرَقٌ وحَيرة، 

    غرقٌ في مَللٍ أليف.

     بَرَقٌ وحَيرة، 

    غرقٌ في مَللٌ أليف.

    خطوتان \ مقامان أوقفتني بهما الشّوارع.

    خطوة البَرَق،

    أوقفتني على ما لا يُصوَّر -ما لا يحتويه إطار-

     وقالت الشوارع:

    اضرب بخطاك الأرض تنفتِقُ المدينة،

    خطوتك الأولى صَدْعٌ ساكن في صميم الأشياء -مثل عصا ضربت بحرًا-

    أمّا الصوت فدَهشةُ المألوفِ تسمعها في صوتِ الغالق،

    وفي وَقعِ تناثر بلّور المدينة بعد خطوتك \ صورتك الأولى.

    خطوة المَلَل،

    أوقفتني على ما لا يُصوّر -ما لا يحتويه إطار-

    وقالت الشوارع:

    اطلب الوجهة تنرتِقُ المدينة،

    خطوتك الثانية قذفٌ إلى الوجود -من أجله لا من أجلك-

    لا غالقَ يشحذ دهشتك،

    والمدينةُ معبرٌ بلا ملامح إلى مبتغاك.

    -٣-

    تمرينٌ نَظَري على المشي والرّؤية

    قد يكون ثمّة شيء من الإغراء الذي يصعب مقاومته في تعريف المدينة بأنّها شبكة بالغة التعقيد من الوظائف والمعابر السريعة، في القليل على المستوى الفيزيائي منها، فهذا هو أظهر ما يظهر من المدينة عند الملاحظة الأولى.

    على أنّ التعقيد هنا لا يزيد من كثافة تجربة المدينة، بل العكس، إذ يختزلها إلى فضاء انتقاليَّ بين نقاط منتثرة تُشكّل تلك الشبكة الوظيفية وتصل ما بين أطرافها.

    وإذا التُفتَ إلى المدينة بهذا الإدراك فإنّما بمعايير تقيس كفاءة هذه الانتقالات، ممّا يجعل من المكان معبرًا محايدًا مقاييسه الكفاءة والزّمن.

    يُجرَّد هذا المنظور المكانَ من كثافته الحسية ويسطّح من امتداده الزّمنيّ، فيُعيد إنتاج المكان كبنية تقنية خاضعة للقياس.

    لكنّ طريقةً بعينها للحركة داخل المدينة تعطينا منظورًا آخر تمامًا. فبما فيه من تأنٍ وتمهّل ولامبالاة بالزّمن، يفتح المشيُ المدينةَ على آفاق أبعد، ويمكّننا من إدراكها غايةً  في نفسها، وجودًا بذاته له أبعاده الجمالية والمعرفية الخاصّة.

    المشيُ في هذا السّياق ليس عملًا جسديًا محضًا بل هو تمرينُ الوعي على الملاحظة، وممارسة تكشف، في تراخيها وأناتها، الفرق بين الفضاء المُمأسس والفضاء المعيش، على ما يذكره هنري لُفيفر.

    فالخرائط الرسميّة، وقوانين التخطيط، وتنظيمات البنية التحتية، تشكّل جميعها «الفضاء المُمأسس» الذي يُصاغ من أعلى ويُفرَض واقعًا واحدًا على المدينة. لكن حين يتمشّى الجسد في الشوارع تتكشف طبقة أخرى هي «الفضاء المعيش» المطبوع بالأفعال والتجارب الفردية. ومن هُنا يقاوم المشي اختزال المدينة إلى مجرد جهاز وظيفي، ويعيدها حيّةً بما تشتمل عليه من تشظيات وانقطاعات ودهشة.

    ولو عرّجنا على فَلتر بِنيامين، الذي ينطلق في كثير مما كتب، ولو من طرفٍ خفي، من فعل المشي، لوجدنا الكثير ممّا يمكن للمشي أن يكشفنا عليه. نجد ذلك على الأخص في مَعلَمته «مشروع الآركادات» الكتاب الذي هو نفسه يشتمل على تشظيات وانقطاعات ودهشة.(نميل إلى نقحرة هذا المفهوم، فهو آركِد وجمعه آركدات، إذ ليست كلمة رواق بموفية في تأدية المعنى، حتى نجد له تعريبًا ملائمًا) 

    فشخصيّة الفلانير عنده، أي ذاك المشّاء سَبهللًا دون غاية، إنّما هي جهاز بصري/اجتماعي يجوب المدينة ناظرًا إليها وكأنّما هي متحفٌ مفتوح تتضارب فيه خطابات السِّلَع والذّاكرة، كاشفةً بذلك عن تناقضات كامنة في نسيج المدينة: فالمدينة تنتج فضاءات استعراضيّة للسلع، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تملك إلا أن تُبقي على نُتف من الماضي في المحالّ والواجهات والطرقات. وما كان المشي عند بنيامين وشخصيّته الأثيرة الفلانير مجرد حركة عابرة، بل قراءة نقدية للمدينة تُبيّن ما فيها من تناقض. إنّ كلّ ما يقع عليه المشّاء أُثارة ممّا انفلت من يدِ السّوق ظاهرةً على ملامح المكان الفيزيائيّة: آثار صغيرة أحدثتها تفاعلات السكان، أو تفاصيل منسية تملّصت من التخطيط المُفرط، أو تشققات في الجدران والشوارع والأرصفة. إنّه «الفضاء المعيش» منبعثًا من دواخل «الفضاء الممأسس» رغمًا عنه، مُحوِّلًا المشيَ والتأمّل إلى أفعال سياسيّة في جوهرها، ممارسة تقاوم اختزال المدينة وترفضُ كلّ الرفض أن ينظر إليها سلعةً للبيع والشّراء أو بنية وظيفية تخضع للحسابات العقلانيّة المجرّدة.

    وعلى مستوى أبعدَ يؤدّي المشي إلى إدماج الجسد في المشهد الحضري بالمعنيين المادّي والاجتماعي معًا: فإيقاع الخُطى بما فيه من جهد جسدي، وبما ينطوي عليه من توقّفات وما يبتكره من زوايا مختلفة للرؤية، يؤكد على جانب مغفل من علاقتنا بالمدينة، من أن هذه العلاقة ليست محصورة بالخرائط الرّسمية القشيبة والانتقالات العابرة السريعة، بل هي في صميمها علاقة حسّية كأقوى ما يكون الحِس شعورًا وحرارة، ثم إن المشي ليس فعلًا فرديًا ولو كان المشّاء نفسه منفردًا، بل هو مشدود إلى عادات وثقافات وتوقّعات، تُحدّد من طُرُق إنتاج إدراكنا للفضاء. وحين يمشي مَن يمشي، فهو يدرك أن جسده ليس متلقيًا سلبيًا لما يحيطه، بل  إنه يحمله معه موقعًا ينتج به المعنى في تجربة المدينة.

    إن المقارنة بين المشي وأنماط التنقل الحديثة توضّح هذه المسألة. وعلى مقياس حريّة التحرّك في الفضاء نجد أدنى شيء القطار أو المترو، بما  يفرضه من خطٍ واحدٍ للحركة، أمّا السيّارة فلا تزال حركتها محدودة بما ينتجه «الفضاء الممأسس» من مسالك ومسارات يقصرها عليها، ويسمح لنفسه، بما يفرضه من سلطة على إطار الرؤية، أن يصمّم المنظور المرئيّ من خلال هذا الإطار، حاجبًا ما لا يودّ أن يُرى، عارضًا قَصفًا من الإعلانات والإشارات واللوحات، مُصمّمة كلّها لتتحكّم بما يُمكن رؤيته.

     ومهما كان نمط التنقل داخل مركبة، فهو يعزل الجسد دون الاتّصال المادّي بالفضاء، ممّا يحور بالمحيط إلى مشهد لاهثٍ خاطِف، أما المشي، فهو مفتوح على الانحراف والالتفاف والتيه، يسمح للجسد بأن يتباطأ أو يتوقف، أن يضلّ الطريق أو أن يطرقَ لنفسه طرقات غير متوقعة، وهذا بالضبط ما يجعل المشي ممارسة نقديّة في قلب المدينة.

    وهاك تفاصيل صغيرة لا تُعاش إلّا عبر المشي: واجهة محل قديم قاوم تحولات السوق، بخطٍ قديم وملصَق إزالة يتباريان أيّهما أحق بالبقاء، جدار متصدّع تتبرعمُ فيه نباتات برّيّة لا تأبه بالأشجار المنسّقة في الطرقات السريعة، كتابات باهتة على جدرانَ في شوارع خلفيّة تقول ما تودّ المدينة قوله.

    هذه العلامات ليست عَرَضية، بل تشكّل ما يمكن تسميته بالأرشيف الصّامت للمدينة، إنها بقايا تحيا في هوامش الزّمن / الفضاء الرسميّ، تمنح المشي طابع التنقيب الأركيولوجي وراء هذه الآثار الحيّة: فمواد البناء  المتخالفة عُمُرًا، وطبقات الطّلاء المتراكبة، وأنواع الخطوط على اللوحات والطرز المعمارية في الأبنية، كلها تشكّل وثائق صامتة، وما المشي إلا إنطاقُ الصّامت من هذا الأرشيف. فالمبنى ليس جدارًا قائمًا وحسب، بل هو أثرُ تاريخ الاقتصاد السّياسيّ للمدينة، وليس الشّارع فراغًا عمرانيًا فارغًا، بل هو طبقة وراء طبقة من علاقات اجتماعية متشابكة. إنّ ما يكشفه المشي هو بالضبط ما يسمّيه بينامين «الصورة/الآن» التي تومض فجأة، كاشفةً امتدادات الماضي في عمق الحاضر، حيث كل خطوة تضع الحاضر في حوار مع ما سبقه، وكل التفاتة تفتح زمنًا موازيًا. وإن كان للمشي في المدينة وظيفة، فهو أن يُنتج سرديات صغيرة، أفلتت من التوثيق، تفتح الوعي على إمكانيات بديلة.

    ذلك أنّ الخرائط المعيارية ومساراتها ترسم المدينة شبكةً هندسيةً محايدة، أمّا المشي، في المقابل، يُنتج خرائطه الخاصّة التي لا تلتزم بتلك المسارات: إنّها التفافات ذهنية تتبع رسوم الذاكرة.

    تأتلفُ هذه الخرائط الذهنيّة من معانٍ متجذّرة في المكان، أو هي المكان حاملًا المعنى في تلافيفه، من شارع ارتبطَ بقصّة قديمة، أو ساحة اقترنت بممارسات جماعيّة متأصّلة. إنّها باختصار الأماكن والرّفاق معًا.

    ولئن كان كاريري -الذي قدّمنا بترجمة مقتطف من كتابه- يرى المشي ممارسة جمالية تُنتج إدراكًا طريفًا للفضاء، فإنّ باشلار، في جماليّات المكان، قد ذهب إلى أنّ الأفضية تتشكّل أصلًا من بناء الصور الحميمية التي تثيرها وتُلهمها لا عبر حدودها المادية وحدها.

    والمشي هو ما يكشف عن جماليات اليوميّ وصوره الحميميّة: فضوء يتكسّر على نافذة منسيّة، وظل شجرة يتماوج فوق جدار مُهمل، ووقع خطى تتردّد في صمت الليل وتسحب وعيك إلى زقاق فرعي لم تكن لتنتبه إليه، كل هذه اللحظات الهامشية هي ما يحفظ للمدينة إمكانية أن تُعاش كأفق جماليّ. وعلى أنّ المشي ليس في مقدوره إنتاج موضوع فنيٍّ بالمعنى التقليدي، إلّا أنه يصنع ما هو أبعد أثرًا، فهو يتسلّط على الطُرُق التي بها تُصاغ علاقة الذات بالفضاء فيعلّمنا أن الجمال ليس محصورًا على ما يُصمّم قصدًا ليكون مجتلى للرؤية، بل هو كامن في صميم الإيقاع الحسّي للمدينة.

    من هذا المنظور يمكن اعتبار المشي فعلًا نقديًا قبل أن يكون ممارسة جماليّة: فهو يقوّض مركزية الزّمن وأحاديّته، ويكشف عن التناقضات بين الفضاء المُمأسس والمعيش، ويعيد المدينة إلى كثافة التجربة اليومية. وبما يعيده من اعتبار بالتفاصيل والبقايا والهوامش، وبما يمنحها من سلطة لم تكن لها لولاه، فهو يكشف ما في الخطاب الأحاديّ من فراغات وتقطّعات، ويفتح المجال أمام تجارب فردية وجماعية لتصوغ بدائل في تجربة المدينة

    وبعدُ، فليس المشي حركة بطيئة في الفضاء الحضري تشتّت الزّمن وتضيعه، بل هو عملٌ نقدي في صُلبه: يعلّم كيف تُقرأ المدينة أرشيفًا متداخلًا متعددّ الطبقات، وكيف يُنظَر إلى مسارح الجمال اليومي في المدينة. فهو، بهذا المعنى، ليس طريقة للانتقال، بل إنه الشرط في إمكان إعادة اكتشاف المدينة من حيث هي نصٌ حيٌ محتاجٌ أبدًا إلى التأويل.

  • بسببٍ من معضلةٍ عويصةٍ ترجع في جُملتها وتفصيلها إلى هجران الكتابة دونما عِلّة ظاهرة أو سبب خفيّ أو حكمة باهرة أو سِر مطويّ أو نكتة لطيفة أو باعثٍ قوي- أقول إنّي أورثت صعوبةً في معالجة الكلمات. أعني أنّ الكلمات تنزلق من بين يديّ كلّما أردتُها على أن تثبت، تنحرف الكلمة عن مقصدي في أغلب الأحيان، وينسرِبُ المعنى من خَللها في أحيان أخرى، والنتيجة، في المحصّلة، واحدة.

    ولقد وَجدتُني، منذ سنوات، ولكن دونما عِلّة ظاهرة أو سبب خفيّ …الخ أوثر أن أحمل المعنى في ساقيّ وأدحرجه -ملاعبًا ملاطفًا- على مِشط قَدمي. أمّا كيف ينحدرُ المعنى من اللفظ الذي هو كلمة إلى التلافظ الذي هو بين قدمين، ومن اللغة التي هي سكون وثبات إلى المشي الذي هو اضطراب وحركة، فهذا ممّا يَشده ويَبده، وتعجز عنه العِبارة ولا تخترمه الإشارة، ولقد حاوله قبلك قومٌ دُعُوا بالإستركشوَلِسْتس فضلّوا وأضلّوا. نعوذ بالله من العُجمة.

    وهأنذا أقول لكَ (لا أعني أنّ المخاطَب ذكر ولكن بهذا الضّمير جرت العادة) وقد قرأتَ حتّى اللحظة شيئًا وفاتت عنك أشياء ليست بأجدى عليك مما قرأت: انجُ بنفسك، وتلاحق عُمُرك، وأدرك أيّامك التي منها كُنت وبها تكون وإليها تصير، فإنّما أنتَ أيّام، والأيّام ساعات، وكلّما ذهبت ساعة ذهب بعضك، فأغلِق المتصفّح عن هذا الذي أكتب وتصفّح دخيلة نفسك، واخرج من المستعرِض (في تعريب آخر للوِب) واستعرض أحوالك وأطوارك، فإنّ لك بك لو عقلتَ شُغلًا، ومنك إليك لو أدركتَ غاية، والخاسِر من ضلّ نفسه التي بين جنبيه. نعوذ بالله من الخِذلان.

     على أنّكِ (لا أعني أنّ المخاطَب أنثى ولكن بدا لي أن أستعمل هذا الضّمير) لو شِئتِ لقُلتِ -ولأُنصِتَ إليكِ وصُدِّقتِ- إنّ الكاتب أولى بهذا النُصح، وأجدر لو هو وعى أن ينتصح، وأحرى إن هو انتصح أن يعمل بما عَلِم، ثم شتّان بين مَن ينقر على اللوحِ حرفًا حرفًا، ويرقم الجُمل سطرًا سطرًا، ومَن هو في شُغُل شاغِل، لا يتصفّحُ إلا في وقفات الإشارات أو في مَلالة الاجتماعات. بلى عزيزتي! لكنّ الكاتب انتبه في منتصف اللّيل ثُم أرِقَ، ونادى النومَ فما رنّق لعينيه ولا طَرَق، وأصاخ بالحُلم الذي انقطعت أسبابه أن ارجِع فما رجع. فعزم، أرِقًا نَزِقًا، دَهِشًا ذاهلًا، أن تذهبَ ليلته عبثًا، ولعبًا ولهوًا، وآلى أن يضرب على المفاتيح حتّى يسلس له قياد كلمة حَرُون، ويؤوب إليه معنى نافر، وتبرّ به بنات أفكار عاقّات. نعوذ بالله من الكفران.

    أمَا وقد اتّبعتَ (ارتأيتُ الأوبة إلى هذا الضّمير) هواكَ وامتدّ بك غيّك إلى هُهُنا فإنّي مُخبركُ عن أشياء (أو إن أنتَ مللتَ هذا الجمع فأشاوى وإن أردتَ فأشياءات وإن طلبتَ سواها فأشاوات وإن عزمتَ إلّا أخرى فأشايا) أقول إنّي مُخبرك عن أشايا: فأوّلها -وهذا من بابة العادات الملازِمة- عن تَجوالي على قدميّ وما حصّلت منه في تطوافي في الآفاق ومماشاة الرِّفاق. وثانيها -وهذا أدخل في باب الأسبوعيات- عن كتب أقرؤها ومسلسلات متسلسلات تتناسل فيها الحلقات أتابعها. وثالثها -وهذا ألصق بباب اليوميّات- عمّا غنمته قبل النّوم من الريلزات والتيك توكات. وأخفّها على قلبي ثالثها، فهاك الغنائم.

    فاعلمي -علّمكِ الله الخير وأرشدكِ لِما فيه صلاحك- أن الغنيمة كلّ الغنيمة فيما كان عليه مَيسم عفو الخاطِر وما جاء بديهة الرّأي، ويكأنّه الواقع في عمائه وفوضاه وتداخله قبل أن يتناوله السَّرد بالانتقاء والحذف والاختيار، وأخصّ منه ما ضعُفت جودته وكدر صفوه -صورة وصوتًا- فهذا هذا.

     

    ثم اعلم -عُلّمتَ الحقَّ وهُديت إليه- أنّ خير الريلزات ما جاءك من صديق صَفَت لك مودّته، ومازجت روحك روحه، وخبر مذاهبك في المجانة والرّقاعة، فهو يبعث بها إليك في كل وقت على سبيل المتفضّل لا طريق المُجازي، فلا يأبه إذا ما أنتَ جمعتها إلى وقت مخصوص أو فرّقتها على يومك، ولا يكربه إن فاتك أن تقابل إحسانه بالإحسان. وأصفى ما يكون الصّديق إن هو أردَف المُشاركة بالتّوضيح، وعاد على محتواها بالتّشريح، من لبس السمّاعة وعدم التّشغيل عند الجماعة، فهذا مَن ترفع دونه الكُلَف وتُنشَر البُسط وتُسْقَط الحُجب. نعوذ بالله من الفضيحة على رؤوس الأشهاد.

    أمّا الميمز فإن وَصَلتْ بكَ إلى أرض العِراق فقد وصلتَ واسترحت، فسمعت «د احجي» وقرأت «شن هاي» ورأيتَ عارِضًا في لون الليل وشَعرًا مثل عُرف الدّيك، فهذا علّاوي إن لم تفطِن إليه، وكلّ الصّيد في جوف الفرا. وفي أرض العِراق كلام جَديد، ليس فيه من دقيق الكلام ولا جليله، وإنّما مِن ثقيله وخفيفه. فخفيف الكلام ما تجيء فيه قِصص أسطوريّة، عن سفينة بحريّة، يندفع بها الموجُ ويمتلئ بها الفوج، فما شئت من نبرةِ صوت وإيماءة وجه، وتلاعب بالطبقة وتغضّن في التعابير، وحركات بالأيدي، وتثنٍ في الهيأة، وتصوير الخبر في صورة العيان، حتّى ليكون الخبر كأن قد كان وهو -والذي خلقك فسوّاك فعدلك- لم يكن، فتستوي لعينيك السّفينة وقد كانت تتمايل يمنة ويسرة، كأنك حاضرها أو كأنها ممّا حَمَلك.

    والسرّ، كلّ السرّ، في رياضةِ بنات خُوارزم وتهذيبهنّ، وأن تتعاهدهنّ بالتّصفية والتّنقية والجلاء والصِّقال، وأن تعود عليهنّ بالتّقويم كلّما انحرفن، وبالتّثقيف كلّما اعوججن، فهن الرائدُ المتّبع في مجاهِل الدروب والخرّيتُ العارف بالمَضلَّات. على أنّ الخوارزميّاتِ لا يعرفن الطّريق حتى تُعرِفهنّ خاصّة نفسك، ولا يطّلعنَ الجادّة حتّى تُطلعهنّ طلعَ أمرك، فهنّ منكَ لكَ، وبكَ إليكَ، وفيكَ عنكَ. وفي هذه آية باهرة لو تأمّلت. نعوذ بالله من الغفلة.

     

    أمّا الثّاني -أي بالقياس إلى الأشايا أمّا الأثافي فهو ثالثها قطعًا- فكاتبٌ مشّاء، يهوديّ النِّحلة جرمانيُّ اللسان، اسمه في لغة نفسه فَلتَر بِنيَمِن، وتنطقه الإنكليز والتر بِنجَمِن، مسخوا الاسم والرّسم، وعنهم تلقّفته أوباش المتأنكلزين من قومنا، وقد انتهت إلى هذا الرجل الرّياسة في صناعة القلم وصناعة القدم، أي اللفظ والتلافظ، أي الكلمة والخطوة معًا (واذكر أنّ هذا كان مبدأ أرَقَي وسبب هذياني) في خَلقٍ واحد، فما نظرتُ مرّة في كراريسه إلا خِلتني أنظر في طوايا نفسي. ولعلّك ممّن يُحب الملاحاة واللّجاج فتقول مجمجمًا مستعجمًا مستسجعًا: This is a new stage of the Miror Stage تُشير بذلك إلى ما لا يخفى على إحدى عيني من التّعريض والغَمز (أمّا الأخرى فنامت، فأنا أكتب بيدٍ وعَين واحدة. فائدة: جاء في بعض الكتب أنّ جنسًا من الخلق يُقال له النّسناس للواحد منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينقز الطّائر. قلت: فأنا الليلة منهم غير أنّ ليس بي طاقة على النقز) ولكن دع المرايا، فهي ذاهلةٌ عن رقاعتك بسؤال صاحب الصوت إذ قال «وش شعور المرايا كلّما شافتك؟»، فإن أردتَ أن نُعرِض عن الكاتب المشّاء ليتهادى في مشيه ونعرّج نحنُ على المليحة التي تتمرأى وننظر سبب سؤال المرايا فلا بأس، وما يُدعى إلى الخَوض في الملاحة ثم يأبى إلّا لئيم الطّبع خسيس الصِّفات، واللهم غفرًا إن كنتِ أنتِ من اعترضني بالسّجعة الأعجميّة الباردة، فقد تكاثرت الضمائرُ عليّ، فإن كنتِ أنتِ فحبّذا أنتِ من لسانٍ معجمٍ خُرسٍ نواحيه ووجهٍ مُعرب، وإن شئتِ أن تمضي في أسجاعك فأبشري بتذكرة من هَهُنا إلى بلخ، وأن لا يكون وصولك إلا يوم سبت، وإلا وقت ضحى، فتنطلقي من المطارِ حتى تبلغي موضع قرية غامرة وماء ملح فتكتبي إليّ منه -وأنا مشغول بك عن كتابك-: «كتابي إليكَ من النّوبهار يوم السّبت نصف النّهار».

    وبعدُ، فإنّي كِدتُ أنام -أمّا ما وعدتك به من الأشايا الثلاث فنترك تتمتّها إلى أرق آخر- فالحق إن شئت بالكاتب المشّاء الذي تركناه يتهادى.

     

    لُندرة،

    بُلمزبري، تربيعةُ رَسِل (Russell Square)

    حاشية: ليس رسل المذكور ههنا المنطيق المتفلسف صاحب «برنسيبا مَثمطِقا» وإنّما رجلٌ آخر يُنمَى إلى ذات الأرومة، وقد ظننت أوّل وصولي أنّه هو، حتّى تراءى لي في الحلم أنني وسط مجموعة كل المجموعات التي لا تحتوي على نفسها، فأيقظني صداع غمّني سحابة اليوم.

  • للانتظار زمنان: زمنٌ مفروضٌ وزمن نختاره، وإن كنت تسأل كيف تختار وقت انتظارك؟ ففي المشي المتبطّل، ومراقبة ظلال الأشجار القمريَّة ليلًا، ومطاردة القصص خلف ملامح العابرين في خمود الشوارع بعد الواحدة صباحًا. نصف ساعة من المشي كفيلة بأن توصلك إلى هامش الزّمن، في وقت خارج عن اليوم وكل الأيّام، وقت لن تجده في التقويم، إذ هو بالمكان أشبه، كلما عُدت إليه وجدته نفسه.

    لشدَّ ما يلفت انقلاب الأشياء بفعل هذا الإيقاع البسيط المتمثل في توالي خطوتين. الرياض ليلًا لا تشبه نفسها، والمشي يجعل الشوارع غير الشوارع، والناس وقتها مخلوقات أخرى لا تخرج إلا ذلك الحين.

    وَقفتْ هذه الفكرة على الحافّة الأخيرة في ذهنه، لو نطق بها شخص آخر، شخص واحد وحسب، أن تتجسّد هذه الفكرة في موجات صوتية تأتيه من ناحية أخرى غير نفسِه، كان هذا كفيلًا بأن يجعله يظن أنه سقط في عالم آخر بالفعل، عالَمٌ لليل والمشي واكتشافات غريبة.

    تجد هناك سِحرَ الأضواء الاصطناعية للمدينة يتجلّى في احتفال كرنفالي بالأبعاد: نقاط معلقة في فراغ بهيم، حاول أن تراها كذلك وستفهم أن الليل نسيجٌ واحد، لا يكتسب عمقه إلا بانتثار هذه النقاط، أضواء الأبراج العُليا، قوانين المنظور التي تجعلك ترى لمبات الشوارع صغيرة كبيرة، متجاورة على خط واحد، ولكن صغيرة وكبيرة.

    لو أن طفلًا يشاهد هذا المنظر لأول مرة لم يكن ليفهم إلا أنه أمام ضوءين يختلفان في الشدة، بالنسبة له لا بعد ولا قرب، فالليل سطح أملس مستوٍ، لا يخترق عتمته سوى المشي، لا يجرح سواده مثل الصوت الذي تتلقّاه أُذُنا مشّاء، يتحوّل وجود المشّاء شيئا فشيئًا إلى حاسّة السمع، وفي لحظات معيّنة، يتشكل الوجود بالكامل وفق بعد واحد هو الصوت، هذا الامتداد، الأرض الغريبة الأبعاد، أرض الصوت المرسومة بالخطوط وحسب لو كان النظر يعطينا الأشكال في أبعادها الثلاثة، وفق السمع، أنت تسير على خطين مثل قضيبي سكة قطار، يلتويان، يتغير الاتجاه، ولكن المسار واحد ومحدد. لعل الوقت الذي اخترته للانتظار هو كل ما يتبقى من اليوم، لولاه، لذهب اليوم في طيّ التشابه والنسيان.

    كل الأيّام تشبه بعضها إلا يوم مشيتَ فيه ليلًا.

  • لا تخرج إلى أي مكان وقت الغروب، هذا فخ، ستحب كل شيء ما دام يخطُر أمامك على خلفيّةِ سماءٍ تحترق بأحمرَ لا ينتهي، وستحلم بحيوات مُضاعفة وقصص ملوّنة تنبجس من خِلال السحاب ومن بين صدوع جدرانِ المدينة التي يغسلها الشَّفق، ومن حيث لا تدري، ستغرق في كل خيالٍ عذب طاف بذهنك يومًا، أمّا الخَطِر، فأنك إن غرقت فربما لن تعود.

    هذا هو سبب خوف الجدات الأزلي من وقت الغروب: الوقوع في حب كل شيء والاستسلام لخَدَر الحُلم المصفَّى ألوانًا فائرة، الانسياح في حالة عدم الاتزان دون أي ضمانة، لعل الشياطين وقت الغروب ليست سوى الانفعال المفرط بدرجة اللون الصارخ، كأن الدماء في جسدك ستنتثر في كل اتجاه مثل الأحمر الذي يطفح على وجه السحاب، ومن ناحية أخرى، فالغروب هو كل ما يُمكن ليوم تعيس أن يتمناه، ينغمس وَهَنُ الوقتِ المُرخَى في هذا الاحتراق السماويِّ ليولَد نارًا حارِقة تهب اليوم معنى جديدًا، هو الذروة البَهِجة الأخيرة التي يصعد إليها اليوم تَعِسًا كان أم بهيجًا، الدرجة الختاميَّة لهذا اللحن الوقتي الذي نسميه اليوم، إنّ أقصى ما يمنحه الزمن إنّما هو وقت الغروب، ربما لأنه الخاتمة الوحيدة التي لا تعلن عن نفسها بقطعيَّة حادَّة، أمر يشبه صدى يُسافرُ الآفاقَ موجةً خلف أخرى، حتى لو انتهى سمعنا عن آخرها خلق الوهم موجة تالية، وأين هي النهاية في كل هذا؟ لا أحد يستطيع تحديدها، ومثل الصَّدى أيضًا، يدور آخر الغروب على أوله، يخفت ويتشتت ويتناثر، لكن لا ينقطع فجأة، يتفجّر في المدى لونًا يؤوب إلى لونٍ ينسرب في لونٍ ينطبق على لونٍ في هروب أبديّ للألوان، حتى يخرج عن خارج اللغة، في عالم ما لا نستطيع أن نسميه، ولعل هذا هو الحزن الوحيد الذي يُحضره الغروب، ليس حزن النهاية، ولكن حزنُ مالا يُسمَّى.

  • على عكس ما قد يبدو لأول وهلة، للضباب دفء أليف.

    ربما العدم الذي كان يحدّ مجال البصر في كل اتجاه هو ما جعل المدينة نفسها تظهر في دفء أشد زوايا البيت بعثًا على الطمأنينة: محدودة ولانهائيّة في نفس الوقت.

    قرأت مرة وصفًا لأحدهم مؤدّاه أن أجلّ أهدافه كان في جعل الغرفة امتدادًا لنفسه، سمّه إن شئت تأثيث المكان بالذكريات والأحلام الذي هو الغاية الأساس من وراء ملء الغرف بالأشياء. في وقت الضباب كان هذا الهدف قريبًا للغاية، وكانت المدينة بأسرها مسرحًا لانسياح الأفكار من داخلك إلى الخارج والعكس، هناك في نقطة الغبش الذي لا يستبين آخر المدى، حيث اللاشيء يرتفع بياضًا مثل سور مدينة أسطورية، كانت الفرصة سانحة لخلق عوالم وحكايات وكائنات لانهائية، كل هذا على بعد كيلومترات معدودة منك، تعرف أنك لن تصل إليها، ولكن يكفيك منها القرب وإن كان لا يُبلَغ.

    في ذلك الوقت، الأقرب من أن يكون ذكرى والأبعد من يكون حدثًا يوميًا اعتياديًا، كانت شوارع الرياض أشبه بطرقات في الروح لا شوارع مدينة، والناس، غير معتادين ومسحورين بهذا المنظر، كأفكار ملوّنة تتجول بلا غاية سوى ترقب ذرى البنايات وهي تتلاشى في البياض الشفيف. لم أكن ممتلئًا بذاتي وأنا محاط بالأشخاص بمثل تلك الحدة على الإطلاق.

  • في الحياة ما تشعر أن الزمن تركه وهرب، وفي الوهم ما يكفي لكي توقن بهذا الشعور: أن ثمة أشخاص وأماكن أشاح عنهم التغيّر وجهه فأنت معهم أبدًا -يُخيّل إليك- في وجودٍ صافٍ مستمر.

    كأن هناك نقطة في داخلك لم يلمسها حدث ولم يعبث بها طارئ، وأن المطلب كل المطلب حين تهجم عليك تلك الرغبة بالهرب دون أن تعرف إلى أين أو من أي شيء هو الوصول إليهم فتصل لا إلى مكان سوى تلك النقطة في نفسك. حين ينهشك شعور غير مفهوم بالضياع فتجد أن كل ما كنت تريده هو حضورهم الذي يملأ عليك المدى، وتتخايل لناظريك كل الذِكَر العابرة، والأطياف البعيدة، وكل لحظة هاربة مرّت بك يومًا دون أن تُدرك أنها ستمكث في زاوية نائية حتى تقابلهم وتقابل نفسك التي نسيت: الجَد والجَدة، بيت طفولة في مدينة هجرتها في زمن يوشك أن يكون حُلُمًا لفرط بُعده، نغمة مسلسل تسمعها فتشم فيها رائحة صباح المدرسة ويتخلّق منها عالَم بأسره تكاد تلمسه وتذوق منه طعم إفطارك المعتاد في ذلك الوقت.

    ولن تعرف الرعب المُزلزل، لن تعرف الخوف الذي يتمشّى في العظام ويستحيل دمًا يجري مع الدمِ حتى ترى -في موضِع صغير تظهر فيه التجاعيد في وجه مَن تحب- أنهم هم أيضًا ليسوا -كما توّهمت- بمنجًى من الزمن.

    الساعة الرابعة فجرًا.تعود إليَّ الآن ذكرى المرة الأولى التي رأيت فيها مثل تلك التجاعيد. لا أزال على رهبتي الأولى من الزمن إلى حد الأرَق

  • يُشبِه اللَّيلُ في الخَارج -في الخَارجِ أقولُ لأنَّ الشَّمسَ في داخلِي لم تغبِ منذ أضاء لي وجهكِ- يُشبِه أن يكونَ أي شيءٍ إلَّا أن يكونَ الليل، مِمَّا يَجعلني أُسائِلُ نَفسي إن لم يكن هذا الظَّلامُ المُمتدُّ هو أنا، لأنِّي، في لحظةِ طَيشٍ فاتِنة، قرأتُ أحدهم يقول أرغبُ في أن أكون اللَّيل لأرى نومكِ بألفِ عين فبدوتِ أنتِ لي، فهمستُ في نفسي سِرًّا -كما نفعلُ في صلواتِنا- آمين. ولكنَّ الملائكة، فيما يبدو، سَمِعتْ. فهأنا اللَّيل، وهأنا أراكِ مُضاعفةً بألفِ عين.

    كان اليومَ مُزدحِمًا. ولكن كانت تُشبهُك -أو تُحاول- الأشياء.

    كنتِ بيني وبين العالَم، وفي لحظاتِ إشراقٍ خاطفة، كنتِ أقربَ وأشفَّ، فكنتِ بَيني وبَيني. وفي حيثُما خرجتُ من نفسي إلى الأشياء أو العكس، كان الدَّفْقُ يمرُّ مِن خِلالك، فصارت كل الأشياء شعورًا، وكل الشعور كلامًا، وكل الكلامِ اسمك. ومن أجل ذلك، فعن كل القصائد يُغني اسمك.

    كان التردُّد يتلبَّسُ كُل حرف أكتبُه إليكِ، ذلك أنَّ الكلام محدودٌ أمَّا أنا فقد أخذتُكِ مِن انفجارِ اللانهاية المَديد، وهذه وَرطةٌ مع المسافة واللغة. ولأنَّ التَّردُّدَ بين النَّبرة والمعنى هو تعريفُ الشِّعر الذي أوافق عليه، فالسؤال الذي يضجُّ في داخلي الآن ليس سؤالُ هل كُنَّا حين نتحدثُّ في قصيدة، ولكن، هل كُنَّا نحنُ، بالأحرَى، القصيدة؟

    يَذْهَلُ المرء مِن فعِل الأيَّام. بالوقتِ الذي يَجري مثل نهرٍ غير مُبالٍ إن كان أحدٌ ينزلُ فيه أو يتلصَّصُ عليه مختبئًا خلفَ شَجرة، دونَ أن يرتجف أو يغيَّر مَساره، فيجرفُنا ولا نملك سوى أن نُحارِب -في وَقَفاتِنا المسروقة- باللُّغة، لأنَّ بِها وجودنا ولأنَّ الأنهار لا تتكلَّم، فالأنهارُ تُغنِّي، تترنَّم، وفي سَطوةِ المَجَازِ -وانْهمارِ شَعْرِك- تَنصَبُّ الأنهارُ غير مُباليةٍ -مثلما يعرفُ شعركِ أن يفعل- إلى مُستقَرٍ لها في مسافاتٍ دائريَّة بعيدة.